رحبت جبهة البوليساريو بتصريحات وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بشأن استعداد بلاده للوساطة المزعومة في نزاع الصحراء المغربية؛ إذ سارع مسؤول خارجيتها، محمد يسلم بيسط، إلى الثناء على المبادرة خلال افتتاح ملتقى داعم للجبهة، مؤكدا أن الدعوة تعكس إرادة للحل وتستجيب لما وصفه بـ“متطلبات التسوية العادلة والدائمة”، قبل أن يشير إلى أن “قبول الجبهة بأي وساطة يظل رهينا بموقعها داخل الإطار الأممي وارتكازها على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة”.
غير أن هذا التفاعل الودي مع العرض الجزائري أثار تساؤلات في الأوساط المتابعة للنزاع المفتعل، التي ترى أن البوليساريو تحاول من خلال هذا الموقف تعزيز الطابع السياسي والدبلوماسي للعلاقة التي تربطها بالجزائر، وإضفاء مشروعية على تدخلها في الملف. ولفت المتتبعون إلى أن “الترحيب السريع يترجم استمرار رهانات الجبهة على الدعم الجزائري، ومحاولة توجيه النقاش نحو مسارات خارج منطق الواقعية السياسية التي تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية”.
ويرى محللون أن مبادرة الوساطة لا تتجاوز كونها محاولة لإبعاد الجزائر عن صفتها كطرف رئيسي في النزاع، عبر تسويقها كجهة محايدة رغم ما تؤكده الوقائع من دور مباشر في تأجيج التوتر وإطالة أمد الخلاف داخل الفضاء المغاربي، وهو ما من شأنه، وفق القراءات ذاتها، “تكريس خطاب وممارسات سياسية لا تخدم جهود التهدئة ولا المساعي الرامية إلى بناء مناخ إقليمي مستقر قائم على التعاون والتكامل، بدل الاصطفاف وتغذية الانقسام”.
“كعب أخيل”
في هذا الصدد، قال دداي بيبوط، فاعل سياسي باحث في التاريخ المعاصر والحديث، إن المتتبع يقف حائرا أمام تقلب مواقف السلطات الجزائرية بتقلب مزاج دوائر صناعة القرار الدولي بخصوص قضية الصحراء المغربية، دون اكتراث بما راكمته من مبادرات ومناورات ومواقف صلبة أو جامدة تجاه المملكة، إلى أن نزل القرار الأممي رقم 2797 الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية أرضية أساسية لأي حل سياسي عادل وجدي ومتفاوض بشأنه، بما يرد الاعتبار للسلم والأمن الدوليين ويستجيب لتطلعات سكان الصحراء المغربية، بمن فيهم أولئك المجبرون على البقاء في مخيمات تندوف لخمسين سنة.
وأضاف بيبوط، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الأمر لا يتعلق بحسد حكام المرادية على قدرتهم على ابتكار أفكار يصعب تصديق نوايا أصحابها، بل بدعوة إلى العقل والضمير لتفكيك أسس تلك الطروحات واختبار قابليتها للتصديق بعد تاريخ طويل من المناورات والإساءة للجار المغربي، الذي ظل متمسكا بأخلاق الجوار وقيم الإنسانية والدبلوماسية الرفيعة، متجنبا توجيه الضربات السياسية تحت الحزام.
وأكد الفاعل السياسي أن التسليم بجعل دولة الجزائر وسيطا في ملف جعلت منه “كعب أخيل” لسياستها الخارجية منذ منتصف السبعينات، بعدما موّلت مليشيات مسلحة وخصّصت جزءا مهما من اقتصادها لدعم حرب بالوكالة ضد المغرب، أمر يناقض المنطق؛ ذلك أنه كلما خفت صوت التهور وتمجيد الحرب، تتقدم الدبلوماسية الجزائرية باقتراحات أفزع من الانخراط المباشر في الأعمال العدائية تجاه جارها الشمالي.
ولفت بيبوط الانتباه إلى أن دعوة الجزائر الأمم المتحدة إلى تقسيم إقليم الصحراء لا تعكس نضجا دبلوماسيا ولا وعيا بآليات حل النزاعات سلميا، بل تكشف سعيا محموما لتحقيق مكاسب جيو-استراتيجية، أقلها وضع اليد على جهة الداخلة وادي الذهب لتصريف أزماتها الداخلية، والخروج بصورة المنتصر من حرب لم تكن معركتها، والدليل، بحسبه، يتجلى في “محاولات التغلغل في الساحل والصحراء إرضاءً لسادية العسكر”.
وأورد المتحدث ذاته أن رفض الجزائر مبادرة المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي، وامتناعها عن التصويت على قرار مجلس الأمن، والتصعيد تجاه فرنسا وإسبانيا خلال العامين الأخيرين، لا يساعدها على طلب ود المنتظم الدولي أو الظهور بهيئة الوسيط المحايد، خاصة وأنها لم تبادل خطابات الملك محمد السادس الودية بردّ يطوي الخلاف وينتصر للوحدة وبناء مغرب عربي قوي، بل ظلت متمسكة بأسطوانة تسوية قديمة في ملف البوليساريو، قبل أن تقطع شعرة معاوية مع المغرب حين جرى تذكيرها بقضية القبايل وتطلعاتهم التاريخية.
واسترسل المهتم بنزاع الصحراء بأن الدعوة المتأخرة إلى الوساطة لا تعدو كونها حالة قلق جزائري يفرضها السياق الدولي الراهن الداعم للحلول الواقعية المستندة إلى قواعد القانون الدولي، والمسنودة بتأييد دولي واسع وشرعية شعبية راسخة لدى ساكنة الصحراء بمختلف قبائلها ومكوناتها السياسية والمدنية، التي لم تفقد إيمانها بوحدة الوطن رغم محاولات زعزعة الأمن والاستقرار.
وأنهى بيبوط حديثه لهسبريس بالتأكيد أن ما يثير الحيرة أكثر هو استمرار تبعية البوليساريو المتوارثة لصانع القرار الجزائري، في غياب أي يقظة تجمع شمل الصحراويين على أرضهم وتنهي المأساة الممتدة، لأن فرصة المصالحة المتاحة اليوم في ظل قرار مجلس الأمن 2797 لن تتكرر، وأي محاولة لعرقلتها تعني حكما بإجهاض مستقبل المغرب العربي وتطلعات شعوبه، وإطالة أمد الاستبداد داخل الجزائر، ووأد حلم الصحراويين بالعودة بكرامة إلى وطنهم داخل حضن سياسي واجتماعي ثري بتعدده وقادر على مواجهة التحديات بعزم وإصرار.
تكتيك مرحلي
من جانبه، سجل محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن مرحلة ما بعد الواحد والثلاثين من أكتوبر الماضي تختلف جذريا عمّا قبلها؛ إذ انتقلت قضية الصحراء من إدارة نزاع يسير بوتيرة متباطئة وغير واضحة الأفق إلى مرحلة طيّ متقدمة باتت أكثر وضوحا، تستند إلى إشارات توجيه أممية وهندسة تنزيل تدريجي، أساسها القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797.
وأضاف: “بما أن الجزائر كانت وما تزال الطرف الرئيسي، ولو بشكل غير مباشر، في مواجهة المغرب الساعي إلى تسوية ملفات حدوده التاريخية، فقد أعلن الوزير أحمد عطاف رغبة بلاده في لعب دور الوساطة بين المغرب والبوليساريو، وهو ما رحبت به هذه الأخيرة بشكل بديهي”.
وأكد بقادة، ضمن إفادة لهسبريس، أن مناقشة هذه المبادرة تستوجب طرح تساؤلات مشروعة على النظام الجزائري، منها رفض الرئيس تبون لأي وساطة عربية للمصالحة مع المغرب في أكتوبر 2021، وقطع العلاقات وإغلاق الحدود بجميع منافذها بعد اتهام المغرب بما وصفته الجزائر “أعمالا عدائية”. كما أن الخطاب الرسمي الجزائري، إلى وقت قريب، كان يعتبر المغرب “قوة استعمارية” والصحراء “أرضا محتلة”، الأمر الذي يثير الاستغراب بشأن التحول السريع في الموقف، سواء كان اضطراريا أو مدفوعا بحسابات استراتيجية مرتبطة بتدبير الملف.
وفي هذا الصدد، أشار رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام” إلى أن هذه المتغيرات قد تكون مرتبطة بالمشروع الأمريكي في المنطقة، بعدما تحدث مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عن احتمال التوصل إلى “اتفاق سلام” بين المغرب والجزائر في ظرف لا يتجاوز شهرين، وهو ما يعزز فرضية بحث القيادة الجزائرية عن آلية لحفظ ماء الوجه قبل استئناف العلاقات، لا سيما وأن المغرب لم يقدم على أي خطوة تصعيدية مماثلة.
وتابع المتحدث عينه بأن النظام الجزائري أصبح أكثر وعيا، ولو متأخرا، بطبيعة الحصار الجيو-سياسي والأمني المحيط به جنوبا في مالي والنيجر، وشرقا في ليبيا، وشمالا مع التحولات الدبلوماسية الفرنسية وإلغاء اتفاقية الهجرة، ومع اقتراب نهاية عقود تصدير الغاز الجزائري إلى إسبانيا، في سياق الرد الأوروبي عقب تبني موقفي باريس ومدريد الداعمين لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بالإضافة إلى التطورات الميدانية على طول الجدار الأمني المغربي وتنامي الشراكة الاستراتيجية مع موريتانيا.
ونبه بقادة إلى أن هذا التراكم الدبلوماسي والسياسي، بما في ذلك اللقاء التاريخي بالقصر الملكي بالدار البيضاء بين الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني بلباسيهما التقليديين، وما تلاه من تغييرات مؤسساتية وعسكرية وأمنية في نواكشوط، كلها مؤشرات تكشف حجم التحولات الجارية في المنطقة، وتشكل سياقا موضوعيا لفهم دوافع “مبادرة الوساطة الجزائرية”، التي تبدو أقرب إلى محاولة لستر التراجع أمام الرأي العام الداخلي الذي اعتاد سماع خطاب مفاده أن الجزائر لا تتنازل عن مواقفها.
وأوضح المصدر نفسه أن ما تسعى إليه الدبلوماسية الجزائرية اليوم لا يرتبط بخدمة مسار التسوية بقدر ما يعكس حاجة ملحّة لإعادة ترتيب علاقاتها مع القوى الغربية والعربية، وتفادي عزلة دولية في مواجهة واقع جديد يتبلور حول حل واقعي وعملي لنزاع الصحراء تحت السيادة المغربية. فالوساطة، وفق تقديره، “ليست سوى مرحلة انتقالية للتكيف مع تحولات جيو-سياسية وقانونية باتت ثابتة في المنطقة المغاربية”.
وخلص محمد فاضل بقادة إلى أن خلفيات تصريحات الوزير عطاف تنسجم مع هذا التحول؛ إذ تهدف أولا إلى حماية المصالح الجزائرية قبل أي اعتبار آخر، في وقت باتت موازين القوة الدبلوماسية والقانونية والسياسية تميل بوضوح نحو خيار الحكم الذاتي كحل وحيد قابل للتطبيق، ما يجعل الرهان اليوم على فتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة، بدل إضاعة مزيد من الزمن في نزاع تجاوزته الحقائق والتطورات الدولية.
The post “الوساطة المزعومة” للجزائر في حل نزاع الصحراء.. تكتيك مرحلي وقلق داخلي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



